رحلة البحثِ عن الذات ..الرحلة الأولى

Posted: 16/08/2011 in رحلة البحث عن الذات
الوسوم:

الرحلة الأولى

سفينه

لحظات الوداع الأخيرة ، قليلاً ما تتسم عندي بملامح البكاء أو النحيب على الفراق ، ولكن بعد مضيّ وقت من ذاك المشهد أجد نفسي غارقة في عبرات ذكراهم وأصوات ضحكاتهم واجتماعاتهم وتسامرهم إلى الفجر ، ولكن آية هذه الحياة الفراق لنبحث يوماً عن أنفسنا في رحلة طويلة ، ما آن لها يوم أن تكتمل ، بل حان لنا أن نبدأ أولى خطواتها في سفينة مسجاة بالآمال المترقبة ، والأحلام المفعمة بالأمل ، حقيقة ليس لهذا الكلام العابر طريقاً لوصفها فهي تبدو لي ولكم أكبر من كونها كلمات في سطور ، بل هي حياة تعيش فينا أكثر من كوننا نعيش فيها ، وحينها نربت على أكتاف الماضي لتوديعه بكل أمل فيما هو آت غداً ، والصبح قريب..

لحظات وترسو السفينة ، في أولى محطاتها ، ولعلها لن تكون الأخيرة ، فالحياة وإن صغرت في عين رائيها فمحطاتها لا تنتهي ، ومحطتنا الأولى ليست بعيدة عن متناولنا كثيراً وآن الآوان أن نراها أو أن نستشعر وجودها في حياتنا ، بل لعلنا لمسنا خيوط عبيرها واستنشقتها أنفاسنا الضئيلة ، تلك التي لا نراها إلا في الأحلام ولعلها لا تأتي إلا إذا أحبكنا قصتها في خيالنا الغض ، ليست رؤى مبهمة بل هي واضحة جداً مرآى العين للجميع ، حين يستشعرها القلب وتتحرك لها الأحاسيس المذعنة بالخضوع ، ولكن ما تلبث إلا أن يبكي العقل رثاء لها ويأبى لها أن تستمر ..!

لعلها لم تستمع رويداً لحديث العقل ساعة فندمت ساعات كثيرة ، لم تعلم أن الحياة تدبير شؤونها هو العقل لا القلب ، ولم تكن المشاعر هي أعمدة ذاك البيت الصغير الذي تحلم به مع من كان لقلبها ساكنا وأنيسا ..

لا تعلم كم لتلك اللحظات السعيدة من جروح غائضة تتألم منها إلى ساعتها هذه، لعلهم لم يحسبوا مع حسابات الأيام والشهور والسنين حساب أيامها هذه ، فلا العقل يدري ما بها ، ولا الأيام تشفى عليلها ، ولا الضحك ولا البكاء ينسيها ما كان يوماً لها ، لعلها لم ترد إلا أن تكون كغيرها ممن اقتصر مرآها عليهم ، ولم تدرك ما للجانب الآخر من جمال ، لا ترى إلا من عقب الباب ، من ذاك المكان الضيق وتلك الفتحة المبهمة التي نستشف منها القليل القليل من الضوء العابر ، وبصيص رسمناه في لوحتنا الوهمية ، لعله يشف عليل فؤادها ، بل لعله ذات يوم يكون تلك الشمس التي تشرق لها حياتها..

"وحين ساعة الانتظار ، وحين تدق الأجراس وتعلن سعادة من كانت هي مكاني هنا تنتظر ، أرفع راحتيّ للسماء وأدعو بصوت عال "الأمل قريب" ، ولكن.. لقد غاب عني أن تلك التي كانت هنا .. لم تكن هنا ! فكيف لي أن أكون هناك مكانها " غيبتْ عقلها ولم تستمع إلا لوحي خيالها وحنين فؤادها لعالمها الورديّ ، لم تحسب حساب أيامها هذه ، ولم تعد العدة لها ، ووقفت تتسمر في مكانها والبسمة ملئ ثغرها ، لعل الشمس تخطئ وتمر من هنا يوما ..!!

لم تدرك… لا ،، دعنا من حكاية الإدراك الآن ، فما كانت تخفيه كان أعظم من أن يدركه الإدراك يوماً ، ذلك بأنها نسيت أو –تناست – من تكون ، لم يكن للآخرين وازع لديها ، ولكنها لم تعلم أن الواقع الذي ينسج خيوطه حولها يجبرها أن تراعي من مدّ يديه يوماً لها وترك مكانه الأثر الجميل قبل أن يغدوا في الغدو والرواح.

لم ترى سوى ما تهيأ لها من أحلام زائفة ورؤىً مبهمة ، فلم يعد ذاك الجميل جميلاً ، ولم يعد ذاك الصديق صديقا، ولا ذاك الحبيب حبيبها ، فقد اختارت لها طريقاً لا تعلم هي ملامحه ولا لأين مرساه، لم تنصت لتخضع لهمس العقل الذي ما كاد يلفظ أنفاسه بعد أن أخمدتها بلهيب عصيانها وجمودها على قوانين الواقع ،إلا أن تقيده بالأغلال والقيود، و تمضي الساعات الأخرى دون جدوى.

أتنتهي رحلتها هنا أم أن الطريق مازال على أشراف بدايته ، ولكل حدث حديث ،ولكل مبتغى طريقة له ، ولكنها لم تحسن اختياره ولم تحسب بدايته لنهايته ، ولم تتوقع نتائجه و عواقبه ، ولكنها استمرت في المضي قدماً دون أن تراقب عيون من لم تغفل أعينهم عنها يوما.

ما لبثت إلا أن بدأت تنسج القصص الكاذبة لتكتم بها الأفواه الجائعة ، وترتقب بلوج "الوهم" في عينيها ، وليس لبلوغها من شيء سوى تلك القشة التي ما آن لها أن تقصم ظهر الأوهام ، التي ستعبر بها إلى ما كانت هي له ، وما كانت لتكون فيه ، وأين هي من موضع قدميها الآن.. لتنتهي محطتنا هنا .

ولكن لم نعلم ما هي نهايتها ؟

فهل لا بد من أن ننهي كل ما بدأناه ؟

حينها أدركت أن ما من بلوغ لما تريد ، "ومازالت لا تدرك لماذا لم تستطع أن تصل كغيرها" ، فبدأت تخيط ملامح النهاية دون أن تدفع الثمن لها ، فقد سرقت كل ما تحتاجه لتنهي قصتها ، سرقته ممن لعب دور الضحية في قصتنا ، سرقت أغراضاً كثيرة ، سرقت نومه وهناه وسرقت سعادته وابتسامته ، سرقت أغلى ما يملك ، سرقت قلبه..!

آن الأوان لها أن تصعد على متن تلك السفينة بعد محاولة فاشلة لم تدرك قيمها حتى الآن..! لعلها يوماً تجد من تكون…

يتبع..

تعليقات
  1. booda albakry يقول :

    جميل كلامك ياهند

  2. هِــنْـدٌ يقول :

    الأجمل تشريفكم لي هنا =)

  3. محمود يقول :

    ابحث عن ذاتي في ذاتي@والملم منها اشتاتي@

    واسافر منها واليها @
    لا حقق فيها غاياتي@

    يكفي هجرانا وغيابا @
    يشكو من فرط مسافاتي@

    عدت اليها بعد عناء @
    كي اغسل كل عذاباتي@

    بين يديها ينطق حرفي@
    اتلمس اولى خطواتي@

    رحلة عمري في جوهرها@
    ابحث عن ذاتي في ذاتي@

  4. هِــنْـدٌ يقول :

    تعجبني بل ويزيد من رونق مدونتي تعليقاتك الثرية وأبيات شعرك التي أقف لها وقفة احترام وننزل لها جميعاً القبعات ، فكم تثري على جوهر موضوعي ،وأعتبرها جزءاً لا يجزء من نصي ،
    جميل ما ذكرته سيدي الفاضل بقولك ” ابحث عن ذاتي في ذاتي” فلا مكان ولا محطات نتوقف عندها للبحث سوى في ” ذاتنا ”
    للبحث عن ” ذاتنا ” .!
    سعيدة بوجودك ،فكن بالقرب من المدونة دوماً =)

  5. نوبل نوبل يقول :

    قل لمن يحمل هما ان همك لن يدوم.مثلما تفنى السعاده هكذا تفنى الهموووووم.

    أنـــتِ دنـيــا مـــن الأنـاشـيـد والأحْـــلاموالــسِّـــحْـــرِ والـــخـــيـــال الـــمـــديـــدِ
    أنــتِ فــوقَ الخـيـال، والشِّـعـرِ، والـفــنِّوفـــــوْقَ الـنُّــهَــى وفـــــوقَ الـــحُـــدودِ

  6. هِــنْـدٌ يقول :

    كلامكم جميل أخي – نوبل نوبل
    وأتمنى أن اكون عند حسن ظنكم
    ودمتم للمدونة نبراساً

  7. YES I CAN يقول :

    لو اخذنا الحيا كرحله غير محدوده المحطات لتاهت عقولنا اكثر مما هي عليه من ضلال كنت دائما اسعى لمعرفه ما انا وما الذى انا عليه كنت فعلا انظر الى العالم واقول لنفسى من انا وسط كل تلك الذى اراه ولعلى ايقنت انى حتما سأقف فى احدى محطات تلك الحيا لاقابل ربى فى مماتى ولكن بين تلك المحطات ماذا يدور وماذا يجرى وماذا يحدث وهل انا متحكم ام اننى انساق وانخرط فى الطريق دون علم او وعى كنت اثقف نفسى واعلى من شأن نفسى ولكن لا اعرف لماذا او من اجل من لحيت وقت من الاوقات قرأت مقوله للدكتور مصطفى محمود ولقد غيرت طريقى تماما بقوله قيمه الانسان فى الحياه بقيمه ما يضيفه لها بين حياته ومماته ومن هنا افترضت الاضافه لكون العالم ذاته بشخصياته البراقه وتعبيراته الشاسعه وليست على حدود عائلتى او وطنى ومعارفى ولعلى اسعى لتلك الاضافه ولكن قبل ان اختم ابدى اعجابى الشديد لما يجوب من افكار بداخل عقولكم وترسمونه فى اندى الكلمات واطيبها لقد اخجلتم تواضعنا لكى جزيل الشكر

  8. هِــنْـدٌ يقول :

    “قيمه الانسان فى الحياه بقيمه ما يضيفه لها بين حياته ومماته ”
    وبين حياته ومماته .. هنا توجد محطاتنا للبحث عن ذواتنا النقية تلك التي صقلت بالفطرة السوية ،ولن أضيف بعد إضافتكم من حديث سوى أن حياتنا إن لم تكن بلا هدف تذكر فلا قية لها ، ولا وجود للإنسان الذي لا يعلم بوجود نفسه ..!

    لي أن أبدي إعجابي بحديثكم الذي يطرب مسمعي وعقلي ، وسأنتظره دوماً بشغف ,,
    بارك الله فيكم

يُسعدني رأيك عما كَتبتْ ..

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s